الأحد، 10 أكتوبر، 2010

أنياب الشر

كنا صغاراً نبتسم للريح عندما اخبرنا معلم المدرسة إن الشر غول كبير يملك ألف ناب قاطع وانه التقى ذات مرة بالخير :

ـ صباح الخير أيها الشر .. نهار جميل .. أليس كذلك ؟

لكن الشر رد التحية على طريقته .. نهش يد الخير وقضم جزءًا من ساعده الأيمن :

ـ هذا لا يهم .. أتمنى أن يهديك الله إلى طريق الصواب أيها الشر .

عاد الشر فنهش اليد اليسرى للخير وظل يلعق دمائه بمتعة لا توصف
ـ سامحك الله أيها الشر .. لعلنا نصبح أصدقاءً ذات يوم ..

كنا صغاراً نبتسم للريح عندما صرخنا بوجه معلمنا الطيب (( يا لهذا الخير الجبان )) وعندما اصبحنا كهولاً تملأنا التجاعيد .. صرنا نتكئ على سور خيبتنا العظيم ونهمس بوهن :

ـ صباح الخير أيها الشر .. نهار جميل .. أليس كذلك ؟

الثلاثاء، 25 مايو، 2010


فتاوي عصر الانحطاط !!


(1)
عندما تطول فترات الاحتضار بالأمم ، ينتهي بها الحال الى ما يشبه فوضى التفكير وفوضى التنظير وفوضى الفقه وفوضى الفن .. وحتى فوضى الكلام .
(2)
في الساحة العربية الآن فوضى مماثلة ، ثمة ارتباك يسود كل شئ ، وثمة جيش من المتخصصين حتى بالفتاوى المجانية التى تنير الطريق لمرضى الظهور وعشاق اصواتهم عبر أثير القنوان الفضائية ورسائلهم تمر عبر شريط الأنباء .
(3)
في كل اتجاه ثمة رجل ملتح يتطوع باصدار فتوى .. ولأن سوق الفتاوى مزدحم والبضاعة رائجة فالذوق العام أصبح منسجماً مع طبيعة السوق ، فهل تريدون نموذجاً لما وصل اليه الحال ؟
(4)
أحد ( المسلمين ) .. اشترى خروف العيد وقبل أن يذبحه اكتشف أن الخروف قضم قطعة من صحيفة أجنبية .. فهل يجوز له ذبحه ؟ .. وهل أصبح الخروف صالحاً للتضحية به بعد أن تدنس بحروف أجنبية هى ليست حروف القرآن ؟؟
(5)
المصيبة هى أن الشيخ لم يهمل هذا السؤال المغرض .. الذى كان واضحاً أن الهدف منه هو اقحام الاسلام في سؤال لا قيمة له .. وتسفيه العقل في مسألةٍ لا تستحق أن يتناولها العقل فماذا كان جواب الشيخ ؟
(6)
كان الجواب مريعاً الى حدٍ لا يُصدق .. لقد ( أفتى ) الشيخ بأن الذبح لا يجوز الا اذا تأكد السائل ان الخروف لم يأكل جملاً تسئ الى الاسلام ، ولم يقضم فيما قضم حروفاً تسئ الى الله .. فهل سمعتم بإساءةٍ الى الله أكبر من هذه الفتوى ؟

(7)
والسؤال الآن .. من يتعمد اقحام الاسلام وهو الدين الكبير الجامع في توافهٍ لا هم لها إلا الإساءة إليه وتقزيم دوره .. وكيف يتورط البعض في تسخير مجرد رغبة الظهور في انزال ضربة قاصمة بدين عظيم ؟
(8)
التوافه تتجمع الآن لتصبح دائرة كبيرة من الغبار لتحجب صورة حقيقية وتظهر بدلاً منها مشهداً مزيفاً .. فهل تريدون المزيد ؟
(9)
ممثلة معروفة طلقها زوجها غير المعروف للمرة الثالثة في ظروف لا يعرفها أحد والمفروض انها لا تهم أحداً .. لكن الممثلة والزوج أرادا العودة الى بعضهما .. وعندها اصطدما بحاجز الشريعة وقانون الأمر الواقع فكيف كان الحل ؟ وعلى يد من تمت العودة الميمونة ؟
(10)
الغريب أن العودة كانت على يد ( مفتى الديار ) ولن أحدد أى ديار فالمشكلة صارت أشهر من نار على علم .. غير أن النار هنا واهنة والعلم بائس والموضوع بأكمله محزن والقضية ليست شائكة بقدر ماهى شاذة وغير منطقية .
(11)
المشكلة ان مثل هذه الفتاوى صارت تطوع مواد الشريعة حسب أهواء طلابها ، وكأن الفتوى بما لها من خلفية تاريخية ومرجعية عظيمة رهناً بموقف شخصى .
(12)
الكل هنا صار في خدمة الجزء .. والدين بأسره صار فقرةً في برنامج يُذاع على قناة فضائية ، والفتوى صارت خاتماً من معدنٍ صدئ مسكون بعفريت من الجان كل مهمته أن يعيد زوجة مطلقة بالثلاثة الى زوجها المتسرع ، أو أن ينقذ حياة خروف معد للذبح إذا ماحالفه الحظ بالعثور على صحيفة اجنبية قبل موعد ذبحه بدقائق .. بربكم أليست هذه مصيبة ؟




الخميس، 20 مايو، 2010

قبل أن يلتقي الاسماعيلي والاهلي المصريان مع شبيبة القبائل الجزائري في بطولة افريقيا .. لنقرأ معاً ما حدث لعلنا نتفادى ما سوف يحدث


خطاب الذات
المقهورة

بقلم :
الصديق بودوارة


العصر الذهبي للعصر العباسي ، وبغداد تموج بما يعقل وما لا ُيعقل ، ثقافات وافدة وعقائد تتكلم لغة الفلسفة ، وفلسفة تراود الدين عن نفسه ، وقصور تترع بكل شئ ولا تفتقر إلا إلى لحظة سكون .

في خضم هذا الضجيج الحضاري كان المدعو " زيد بن الجون " الشهير بابي دلامة ، قد دخل ذات يومٍ على المهدي خليفة المسلمين ، ووجد عنده كبار قواده ووجوه القوم آنذاك ، ولأن الجلسة الملوكية كانت تستلزم بعض المرح المقدس فقد شاءت الإرادة العليا لخليفة المسلمين أن يعالج الملل بالابتكار ، فكان أن أصدر أمراً لا يُرد لتابعه ومهرج قصره أبا دلامة بأن يهجو أحد الحاضرين في القاعة الملكية العامرة .

تطلع الشاعر المهرج إلى من حوله ، بحث عن شخصية يمكن المزاح معها ، لم يجد إلا وجوهاً تنطق بالخطر وتنذر من يلهو معها بالشر المبين والهلاك الذي لا صلاح بعده .

لا شك أن المسكين رأى آنذاك كبار رجال المخابرات ومدراء أجهزة أمن الدولة ووزراء الأمر الواقع وحكام الأقاليم البعيدة والقريبة ، لا شئ يمكن اللهو معه في هذا المكان ، ولا شئ أيضاً يمكن أن يجد له العذر لأنه لم ينفذ أمر المهدي .
عندها تفتق الذهن عن فكرة ، ومضة ابتكار ناجمة عن لحظة عجز ، فقد قرر أبو دلامة أن يهجو الشخصية الوحيدة التي لا يمكن لها أن تبادله الهجاء ، وأن ينكل بالوجه الوحيد الذي لا يمكن له أن ينكل به .

لقدر قرر أبو دلامة أن يهجو نفسه ، فكانت هذه الأبيات :

ألا أبلغ إليك أبا دلامة .. فليس من الكرام ولا كرامة
إذا لبس العمامة كان قرداً.. وخنزيراً إذا نزع العمامة
فإن تك قد أصبت نعيم دنيا .. فلا تفرح فقد دنت القيامة

إلى هذا الحد انتهت الحكاية التي أفردت لها كتب التراث مكاناً لائقاً في كل مرة ، انتهت الحكاية وضحكت الوجوه ، ورضت مشيئة الحاكم على المحكوم ، لكن هذه الحكاية بالذات تطرح سؤالاً مهماً عن العجز عندما يصبح دافعاً للابتكار ، وعن قلة الحيلة عندما تدفع بالتمساح إلى أن يعض فكيه مادام عاجزاً عن عض الآخرين .

لقد هجا صاحبنا نفسه لأنه كان عاجزاً عن هجاء من هم حوله ، فهل تحول العرب في آخر مطاف هزيمتهم إلى أبي دلامة العصر الحديث ؟

ما دفعني إلى استحضار ذلك المشهد القديم هو ما حدث من حرب ضروس بين بلدين عربيين بسبب مباراة كرة قدم .
البلدان هما مصر والجزائر ، والآن وقد هدأ قرع الطبول وترجل بعض فرسان الحرب عن صهوات جيادهم ، هل تسمحون لي أن أناقش على مهل ما حدث ، ليس من موضع تعصب أو انحياز لطرف ضد آخر ، ولكن من زاوية تحليل تاريخي لحدثٍ تاريخي ، بمعنى أن تاريخ العرب الحديث قد سجل تفاصيل هذه " الاشتباك العنيف " بالنص والصوت والصورة ، فلا مجال إذن لإنكار واقعة الخلاف الكبير هذه ، ولا ضرر من مناقشتها بهدوء وبالكثير من التعقل على غير عادتنا في مثل هذه المواقف .

البلد الأول هو الجزائر ، الذي عانى لفترة طويلة من حرب أهلية ضروس سببها هيمنة الجماعات الإسلامية المتشددة على مناطق ظلت بعيدة عن قبضة السلطة لفترة طويلة ، تحولت فيها الجزائر إلى بلد غير آمن شهد العديد من المجازر المؤلمة التي راح ضحيتها الآلاف من العزّل الأبرياء .

هذه الأحداث الدموية عادت بالسلب على الاقتصاد الجزائري ، وعلى الواقع السياسي المعاش ، وأضرت بالنسيج الاجتماعي هناك ، واحتاج الجزائريون إلى وقت طويل لتعود الأمور إلى ما كانت عليه باذلين جهداً جباراً لاجتياز النفق المظلم الذي مرت به البلاد .

لا أحد بإمكانه أن ينكر قدرة أبناء البلد الذي بذل مليوناً من الشهداء على مذبح حريته على اجتياز نفقه ، ولكن هذا النفق بالذات ، وحسب تقارير الاقتصاديين خلق حقائق مرة من بينها أن إنتاجية القطاع الصناعي في عام 2006 هي ذاتها نفس الإنتاجية في عام 1983 ، وأن اعتماد الاقتصاد الوطني على قطاع النفط وحده لايزال يشكل تلك النسبة السحرية 98% والتي توحي دائماً بأن ثمة وطن كامل يتكئ على عكاز المحروقات ولاشئ غيره ، هذا إذا لم نتطرق إلى مشاكل البطالة والتمويل وضعف الرأسمال البشري .

كل هذا يؤكد أن الآثار السلبية لحرب " العشرية السوداء " لم تنته بعد ، فهذه الحرب التي بدأت في عام 1992 على إثر مسألة الانتخابات الشهيرة وفرّخت في تداعياتها عشرات الجماعات والتكوينات المسلحة، التي لوثت التاريخ السياسي الجزائري بعنفٍ طرزته المجازر الدموية التي انتهكت حرمة الأجساد ،فكان مثلث الموت في البليدة والعاصمة،وكان الضحايا من مختلف التركيبات الاجتماعية في البلاد .
ولم تستسلم الجزائر كعادتها ، قاومت كبوتها ونهضت من جديد ، فبعد جهود اليمين زروال كانت مساعي بوتفليقة قد نجحت في إيجاد صيغة للحوار الوطني استوعبت كل التناقضات، لكن هموم الحاضر ظلت متعلقة بمحاولات مستميتة لحل مشاكل الماضي،وما أكثر مشاكل ما مضى .
الجزائر ليست مجرد رواية طويلة للعنف السياسي،فهذه صفحة طويت،لكن إرادة الإصلاح لاتنفي هيمنة معضلات اقتصادية واجتماعية وعلامات استفهام كبيرة تتعلق بالإدارة والتنمية.
كلها خيوط كتان تشد إلى الوراء وتفرض قدرة جبارة على السير بعكس الاتجاه، لكنها ليست كل شئ، ففي الجزائر أيضاً بوادر انفراج كبيرة ودوائر ضوء تبدد الوحشة وتبعث على التفاؤل .
هذا عن الوضع في الجزائر، فماذا عنه في مصر ؟
هناك يبدو الواقع السياسي أكثر صخباً ، فالعنف هنا ليس دموياً بقدر ماهو عنف الحوار إذا صح التعبير، فسؤال التوريث مازال مطروحاً ، وتيارات المعارضة تشهر صحفها في وجه محاولات هيمنة الحزب الوطني على الساحة ،ومشاكل البلد الاجتماعية لا تعني فقط وجود أكثر من مليوني طفل في الشوارع مشكلين ظاهرة مقيتة تعارف الرأي العام على تسميتها بظاهرة أطفال الشوارع التي تؤكدها إحصائيات الإدارة العامة للدفاع الاجتماعي مشيرةً إلى زيادة حجم الجنح المتصلة بتعرض أطفال الشوارع لانتهاك القانون، حيث كانت أكثر الجنح هي السرقة بنسبة 56%، والتعرض للتشرد بنسبة 16.5%، والتسول بنسبة 13.9%، والعنف بنسبة 5.2%، والجنوح بنسبة 2.9%. .
" مصر التي في خاطري " ، الغنية بمبدعيها ورموزها الثقافية والأدبية والسياسية وحضارتها العظيمة ، تعاني أيضاً من مشكلة بطالة تطال أكثر من ثلاثة ملايين مواطن أكثر من نصفهم من الشباب، وتعاني من اقتصاد عانى من الانتقالات الغير محسوبة من النهج الاشتراكي إلى الانفتاح المطلق على سوق رأسمالية.
ا
لبطالة تستلزم الفقر ،والفقر ملازم لظروف مجتمع يعاني من تزايد مضطرد في عدد سكانه مع عدم تناسب في تزايد فرص العمل ، أثناء ذلك يضطرم الحراك الفكري ويزداد الجدل السياسي ويتكلم الجميع في وقت واحد دون أن يستمع أحد إلى الآخر.
هذه خارطة مختصرة للبلدين، لم أكن أقصد هنا أن أتشاءم فقدرة الفعل في مصر بألف خير، ومحاولات المصريين لا تتوقف في جهد صادق للإصلاح رغم العقبات ، لكن الداخل هنا يموج بكل شئ ، والخارج يتربص بمؤسساته القوية ، وبالحذر الممزوج بالعداء مع إسرائيل ،الجار المعدني المدجج .
برميل من البارود هنا،وآخر هناك، مشاكل عديدة،وحلول مؤجلة،وكأن هذه المباراة كانت الإذن المنتظر لولادة انفجار كبير يقال فيه ما لا يمكن أن يُقال ،وادٍ كامل من الصراخ كان ينبغي له أن يكون ، إن أبادلامة يريد الآن أن يهجو ، ولكنه لا يهجو إلا نفسه في نهاية المطاف.
في المباراة الأولى التي أقيمت في الجزائر لم يكن ثمة ما ُيذكر، فقط حالة تسمم غذائي أشارت إليها وسائل الإعلام المصرية والجزائرية على استحياء ، وهي حالة تحدث كثيراً في ظل تغير ظروف السكن واختلاف الوجبات الغذائية .

التداعيات بدأت في التشكل قبل المباراة الثانية في مصر، حيث بدأ الإعلام المصري القوي ( داخلياً ) في حملة مرئية ومسموعة هائلة لشحن اللاعبين والجمهور معاً ، الحملة كانت أقوى من أن يحتملها وعي الجمهور حتى أنها ذكرتني بتلك الحملة الإعلامية المشؤومة التي تورط فيها الإعلام العربي قبل حرب 67 ، وقتها رمينا باليهود في البحر، وحررنا فلسطين ألف مرة، فعلنا ذلك قبل حتى أن تبدأ الحرب.
في الجزائر انتبه الإعلام إلى هذا الضخ الإعلامي الهائل ،وفوراً بدأت صحيفتا الهداف والشروق حملة مضادة.
نقطة مهمة لم ينتبه إليها سدنة الإعلام المصري ، وهي أن الإعلام الجزائري هو إعلام تعبوي بطبيعته ، أكثر منه إعلام مهني، زادت من قيمته التعبوية الداخلية أحداث الحرب الأهلية التي دارت هناك، وفوراً بدأت المشاعر تتحفز هنا وهناك، كل هذا ولم ينتبه أحد من الدوائر الحكومية ولا من المثقفين ولامن دوائر الفن والمؤسسات الاجتماعية والتربوية إلى ما يحدث، لا أحد دق ناقوس الخطر، بل أن الكل انساق وراء طبول الحرب ،وولد فجأة ألف "يونس بحري" جديد ، ويوماً بعد يوم كانت كرة الثلج تكبر ،لكن مساحة العمى كانت أكبر من أي كرة ثلج في العالم.
أقبل موعد المباراة الثانية، ولم يكن المشجعون المصريون الذين أحاطوا بحافلة المنتخب الجزائري إلا ضحايا لآلة الإعلام الضخمة التي غسلت أدمغتهم طيلة شهر كامل، وعبأتهم بفكرة واحدة ، مصر ستتأهل لكأس العالم ، كبديل عن العجز في حل مشاكل الإسكان والبطالة والجريمة والاقتصاد وحوار المعارضة والحكومة الذي لا يتوقف.
وقعت إذن حادثة الأوتوبيس المشهورة، وأصيب لاعبون جزائريون، وهنا بالذات كان على المسؤولين في مصر أن يتدخلوا للجم أفواه الإعلاميين الذين تفننوا في إثارة مشاعر الشارع بصورة غير مدروسة، لكن شيئاً من هذا لم يحدث.
في الجزائر اندلعت النار، واندفع سيل الحملات الإعلامية الشرسة في الاتجاه المضاد، واشتعلت صفحات الصحف بالعناوين النارية ، وتدهورت لغة الخطاب إلى مستوى لاعلاقة له بأخلاقيات المهنة ، إن ابادلامة يهجو الآن نفسه لكن أحداً لا يهتم للكارثة.
انتهت المباراة، وكان لزاماً على الفريقين ( اللذين تحولا إلى جيشين بفعل الإعلام ) أن يلعبا مباراة أخرى في السودان، وهناك كان الفوز للجزائر، وهنا بالذات وقع الإعلام المصري في مأزق حقيقي ، لقد عبأ الناس طيلة دهر كامل من أجل الوصول إلى كاس العالم، ورقص رقصة الفرح قبل أن تحضر العروس، فماذا سيحدث الآن ؟ وبأي وجه سيقابل مشاهديه بعد أن تبدد الحلم ؟ كان هذا وضعاً مشابهاً تماماً لوضع الإعلام العربي بعد النكسة، فكيف سارت الأمور؟
أعلنت الحرب، وكعادة أي إعلام مكابر ، كان الشعار هو أننا لم نهزم ، واستعمل الإعلام المصري نقطة قوته الكبرى المتمثلة في القنوات الفضائية الكثيرة التي يهيمن عليها بفضل قمره الصناع ( النايل سات) فيما أدرك الإعلام الجزائري أن قوته ليست على الفضائيات بقدر ماهي على شبكة ( النت ) وشبكة علاقات قوية في أوروبا ، إن كل طرف يشهر سلاحه فلمن كانت الغلبة ؟

حرب أهلية عربية ؟؟؟، لقد لفنا الذهول ونحن نراقب الموقف، لغة خطاب انفلتت من عقالها ، في الجزائر كانت اللاعقلانية في التهجم، وفي مصر قاد اللاعبون المعتزلون برامج مباشرة جنحت نحو تمجيد الذات على حساب الحط من مكانة الآخر.
الكل كان على خطأ ، فلغة الخطاب المسفة لم تكن تثير الا طبقة المسحوقين بتأثير الفقر والأوضاع الاجتماعية الصعبة، وهؤلاء يصعب التحكم بعد ذلك بردود أفعالهم ، أما تمجيد الذات والتعالي على الآخرين وتسويق مقولة " أم الدنيا " فلم ينتج في نهاية المطاف إلا حالة من الرفض ليس لدى الجزائريين فقط بل عند كل مشاهد عربي .
والآن ، وقد خف إيقاع الطبول وخفتت الأصوات ،هل يمكن لنا أن نسأل عما إذا كان العرب قد تعلموا الدرس هذه المرة ؟
هل تعلمنا أن الإعلام لعبة خطرة ينبغي الا توضع في أيدي من كانوا يلعبون بأقدامهم ؟
وهل تعلمنا أن للصحافة لغة مهمتها أن ترتقي بالقارئ الى مستوى رفيع بدلاً من أن تنحدر هي إليه ؟
وهل استوعبنا أن خطاب ( الذات العلية ) هو فعل غير محسوب لن ينتج عنه الا المزيد من الرفض لهذه الفكرة بالذات ؟
وأخيراً .. هل تعلمت الدوائر السياسية هنا وهناك الدرس ؟ هل عرفت أن المشاكل الداخلية لن تُحل بمجرد صرف الأنظار عنها بمباراة كرة ؟
وأخيراً وليس آخراً ، هل أدرك أبودلامة أن هجاءه لنفسه لن يجنبه هجاء الآخرين له ولو حاز على رضى الخليفة ؟

الصفحة الأولى من روايتي الأولى


( 1 )


باطل ٌ وقبض الريح ..باطل الأباطيل .
.. قرأ مرةً هذه الكلمات فنقشت على جدار ذاكرته كالوشم .. امتزجت بوجدانه وملكت عليه مشاعره .. باطل الأباطيل هذا الذي يحدث .. باطل ما يحاوله الآن .. انه يبتعد .. يسير فى الاتجاه الخاطئ .. يسلك الدرب الذي ترفضه حواسه وتضطرب روحه فى قاعها ساخطةً عليه .. تمضى به قدماه دونما رغبة أو لعله هو الذي يمضى بهما .. لا أحد يعرف .. فى مملكة كيانه المنهارة هذه .. داخل حدودها .. لا أحد يعرف من أصدر الأمر .. من قرر هذا المسار .. حتى لحظات تخاذله هربت من المسئولية .. أنكرت ورفضت أن تتورط .. لكن المصيبة تحدث كل يوم .. يرفض هو .. كيانه ومشاعره وكل أحاسيسه ترفض .. لكنه يسلك ذات الدرب .. يسير مع نفسه ضد نفسه .. وفى نهاية المطاف لا يقبض بيديه سوى على الريح .

ــــــــــــــــــــــــــــ

وفى الخيال أني أراك ولا أراك
ومن نعمة الوهم ان الكون ملكي
وأنكِ لي ..

الخميس، 8 أكتوبر، 2009

من سيرة الذي مضى (1)


(1)
القرن الخامس الميلادي ،و أوروبا تبدأ هناك عصراً تضطرب فيه النفوس قبل الأفكار ، وتسقط فيه حضارة الرومان العظيمة أمام ضربات قبائل الجرمان لتتهيأ ساحة العالم لاستقبال قرون طويلة من الارتباك والتململ والتشكل نحو هيئة لن تتضح معالمها إلا مع بدايات القرن الحادي عشر ، هذا كان يحدث هناك ، ولكن أي شئ كان يحدث في جزيرة العرب ؟
(2)
لم تكن هناك مؤتمرات قمة ولا معاهدات سلام ولا بيانات استنكار ولا قراصنة صوماليون يحدثون المزيد من الجلبة كل يوم ، كل ما هنالك كانت أفكار متمردة تدور ببال رجل اسمه ( قصي بن كلاب ) يسكن جسده الشام وتقيم كل جوارحه في مكة.
(3)
إن قصي بن كلاب يطرح سؤالاً ظاهره السخط وباطنه نزعة تتحيز للقبيلة وتنحاز للاستئثار بأم القرى على حساب قبيلتي خزاعة وبني بكر ، ويعمل ليل نهار في سبيل تحقيق هدفه .
(4)
انه يبذر أفكار تمرده في رؤوس رجال قريش وبني كنانة ويقودهم بعد ذلك إلى مواجهة خزاعة في موقعة فاصلة عام 440 م ، ينتصر فيها ، وينهي بها وجود من كان يراهم غرباء عن مكة ، لكنه يبدأ بانتصاره هذا فصلاً جديداً لم يكن يخطر له على بال .
(5)
ينتصر قصي ويستتب له الأمر ، وينجب أربعة أولاد هم ، عبد الدار ، وعبد العزى ، وعبد قصي ، وعبد مناف ، إن عصراً جديداً من النور والظلام ، والأبيض والأسود يبدأ الآن .
(6)
ينشغل الثلاثة بالتجارة فيما يتفرغ عبد الدار بأمر من والده لشؤون سقاية الحجيج وخدمتهم ، وهي وظيفة شبه مقدسة تجعل من صاحبها مالكاً لسلطة أدبية لا يضاهيها المال ، لكن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد .
(7)
يندلع فجأة صراع متكافئ بين اثنين من أبناء عبد الدار ، هما " هاشم " و " عبد شمس " ، وقاد هذا الصراع قطبان سيذكر التاريخ أحفادهما بالكثير من الاهتمام ، إننا سنقرأ ونكتب إلى يمل حبر الأقلام عن هاشم وعن أمية بن عبد شمس ، فالمسرح أصبح الآن مهيأً لمعركة ساحتها الأرض ومداها التاريخ كله بين بني أمية وبني هاشم ، أرأيتم كيف يبدأ تاريخ أمة بأسرها بمجرد اختلاف بين وجهتي نظر؟
(8)
إن هذا الخلاف بالذات سينتج بعد فترة ليست بالبعيدة شخصيةً مثيرة للجدل كان اسمها " أبو الحكم بن هشام "وكان اسمها كذلك "أبو جهل " كنموذج لنجاح جهاز اعلامي خصص لأغراض الحرب من أجل عقيدة ودين جديدين ، فكيف كانت نهاية الصراع بين هاشم وعبد شمس ؟! وهل يحق لنا أن نتساءل عن الكيفية التي انتهى بها ما دام لم ينته بعد حتى هذه قراءتكم لهذه السطور ؟

الأربعاء، 7 أكتوبر، 2009

موت جمل


(1)

كابر الجمل .. تجمل .. ارتدى قناع الصبر .. دفن عطشه القديم ومضى .. مارس الكذب ألف مرة :ـ أنا الجمل .. سيد الصابرين وسفينة الصحراء .. خُلقتُ للعطش .. للسنين العجاف .صدّق الكذبة وظل يحفر بخفه العريض وشماً غائراً على وجه بساط الرمل المضطجع بلا نهاية .. كان يبدو مهيباً فخماً كملوك الجن .. غامضاً ككل الأساطير ..
(2)
هذا عن الخارج .. أما في داخله فقد كان العطش ينهشه بلا رحمة .تخيل جرعة ماء .. زين له الوهم واحةً هادئة مترعة ببحيرة عذبة المذاق تنحني عليها بضع نخلات مكابرات :ـ أشعر بالعار .. ها أنا أقع ضحية للسراب الخادع .. لستُ جملاً أصيلاً .. يخامرني الآن شك في نقاء سلالتي .. ربما ولدت من رحم ناقة سيئة السمعة .. قاتل الله سوء الظن .استبد به العطش ومدت له الصحراء لساناً من نار :ـ لستِ أماً لأحد أيتها القطعة من جحيم .. ألا تقول الروايات إني ابنك ؟ .. سفينتك ؟ أتبخل الأم على جنينها بقطرة ماء ؟ عجز عن المسير .. توقف .. جال بعينيه الحزينتين في الفضاء الساكن .. خمسون يوماً كاملة مرت دون أن يشرب .. دون أن يشرق بالماء الزلال .. دون أن يغوص برأسه العجيب مستشعراً برودة الماء العذب :ـ للماء العذب برودته المميزة .. إنه يحتويك .. يحضنك ويقبل روحك بحنان تعجز عنه أطيب الأمهات .. عندما تستنجد به من وهج الرمال الملتهبة فانه يتحسسك بأنامله الرطبة .. يسقيك من بدنه الرقراق .. يبعث فيك حياةً جديدة .. لكنه يتركك بعد ذلك مذعناً لقانون الصحراء الصارم .. العطش أزل والارتواء عبور .. العطش أزل والارتواء عبور .. لتسقط نواميسك أيتها الصحراء .
(3)
عاد للهذيان وقد فقد تماماً قدرته على مجرد الوقوف :ـ كيف تجلس الجمال ؟ كيف تضطجع ؟ الحق إني لم أصادف جملاً معدوم الهمة مثلى .. الجمل الحقيقي لا يحيا فوق هذه الصحراء إلا واقفاً .. إنه يضرب رمالها البليدة بخفيه العظيمين ويتطاول برقبته العوجاء على كثبانها المراوغة .. الجمل الحقيقي يتهادى .. يزهو بسنامه الشاهق .. ينظر إلى الدنيا من عليائه .. يقترب من السماء ويدوس على الأرض .. هكذا هي الجمال .تبجح قليلاً .. لكنه سقط .
(4)
رغم كل هذه المظاهرة الإعلامية الصاخبة سقط الجمل .. كان العطش يقتله .. حتى إنه صار يرى كل ما حوله غائماً رمادياً .. تطلع إلى الأعلى .. كانت الشمس قد تربعت على عرشٍ لا تراه الجمال في العادة .. كانت قد توهجت .. امتلأت بالنار حتى التخمة .. حتى إنها اقتربت من الأرض مستعرضةً جبروتها لبعض الوقت .. عندها أدرك الجمل كل شئ :ـ هي إذن مؤامرة .. مكيدة .. الصحراء تمد يدها للشمس لكي تموت الجمال المكابرة .. فقط لو يسمح الماء .. لو يمد لي يده .تخلى عن أمنيته الساذجة ليواجه السراب الذي تراقص أمامه معلناً عن اقتراب النهاية .. أدرك إن الأمر قد انقضى عندما سكت كل شيء .. انطفأت المصابيح دفعة واحدة وتجرأت ذرات الرمال الساخنة حتى سكنت حدقتاه :ـ الجمل لا يموت عطشاً .. يبدو إنني سأجلب العار لكل جمال الدنيا .. الجمل يموت بعناده .. فداءً لسيده الشجاع .. بمحض إرادته .. لكن بالعطش .. هذا أمرٌ لا تطيقه الجمال .
(5)
واصل هذيانه .. لكن الظمأ لم يتوقف عن الفتك به .. عندها قرر أمراً .. استدعى كبرياءه القديم .. استنجد بماضي أجداده الغابر .. أسياد الصحراء ومحترفي الجفاف .. وبما تبقى له من جهد وقف من جديد .. وقف والإعياء يجلده والهلاك ينهشه بنهم .. تماسك لبعض الوقت .. داس على الرمال بخفيه العظيمين وتطاول برقبته العوجاء متهادياً بسنامه الشاهق هامساً في وهنٍ ظاهر :ـ هكذا هى الجمال !!

من مجموعة ( ميم )


ميم


موصدة الأبواب من أمامها ..
محكمة الإغلاق في آخرها .
متاهةُ من الرفض ..
حرفٌ مدور الوجه يتصدر وجهها
ودائرةٌ من التجهم تنتظر هناك ..
عندما ينتهي بك الطريق في آخر الكلام .

ميم ..

نذير الموافقة بلا اقتناع
وعلامة المؤتمرات المريبة
ووصمة المذلة ومعها توابعها الخالدات ..
المسكنة بلا حدود
والموت بلا موت
والمقت لضيق ذات اليد

ميم ..

مرصودةٌ بالإنغلاق
مرهونةٌ بالانطواء
محكومة بالصمت
من أبدع نحت هذه الكلمة يا ترى ؟

ميم ..

ملاذ المستريب
وموطأ قدم المتردد

ميم ..

موطن اللاتجاوب
ومسكن الإنزواء


ميم ..

نظرة الرافض بلا كلام
وكلام الرفض دون حتى مجرد النظر

ميم ..

مزمومة الشفتين
كخلاسية تناديك
متأبية على القبول
متمردة على مجرد الإذعان
لا هي هنا
ولا تريد المضي الى هناك
بين المنزلتين تنزل على الدوام
وفى نزولها بالمحل شك
وعلى رحيلها منه يحوم ألف احتمال .

ميم ..

من يرسم هذه الكلمة
من ينحتها كإلهٍ إغريقي متجهم الوجه
من يسقيها سماً للتائهين في صحراء العطش
من يضعها وشماً على ملامح العجائز الطيبات
من يرويها اسطورةً نُحتت على جدار كهف
من يبنيها حصناً عصياً على الاقتحام
طروادةً أخرى لا يخدعها حصان
من يفعل ذلك تمنحه الميم مفتاحها فيدخل
فلا أبواب موصدة من أمامها
ولا اغلاق محكم في آخرها .

ميم

ميم


موصدة الأبواب من أمامها ..
محكمة الإغلاق في آخرها .
متاهةُ من الرفض ..
حرفٌ مدور الوجه يتصدر وجهها
ودائرةٌ من التجهم تنتظر هناك ..
عندما ينتهي بك الطريق في آخر الكلام .

ميم ..

نذير الموافقة بلا اقتناع
وعلامة المؤتمرات المريبة
ووصمة المذلة ومعها توابعها الخالدات ..
المسكنة بلا حدود
والموت بلا موت
والمقت لضيق ذات اليد

ميم ..

مرصودةٌ بالإنغلاق
مرهونةٌ بالانطواء
محكومة بالصمت
من أبدع نحت هذه الكلمة يا ترى ؟

ميم ..

ملاذ المستريب
وموطأ قدم المتردد

ميم ..

موطن اللاتجاوب
ومسكن الإنزواء

ميم ..

نظرة الرافض بلا كلام
وكلام الرفض دون حتى مجرد النظر

ميم ..

مزمومة الشفتين
كخلاسية تناديك
متأبية على القبول
متمردة على مجرد الإذعان
لا هي هنا
ولا تريد المضي الى هناك
بين المنزلتين تنزل على الدوام
وفى نزولها بالمحل شك
وعلى رحيلها منه يحوم ألف احتمال .

ميم ..

من يرسم هذه الكلمة
من ينحتها كإلهٍ إغريقي متجهم الوجه
من يسقيها سماً للتائهين في صحراء العطش
من يضعها وشماً على ملامح العجائز الطيبات
من يرويها اسطورةً نُحتت على جدار كهف
من يبنيها حصناً عصياً على الاقتحام
طروادةً أخرى لا يخدعها حصان
من يفعل ذلك تمنحه الميم مفتاحها فيدخل
فلا أبواب موصدة من أمامها
ولا اغلاق محكم في آخرها .

الاثنين، 5 أكتوبر، 2009

من مجموعة ( البحث عن السيدة ج )


(1)

أنتِ المتن .. والدنيا هامش كبير


( 2 )

الحكاية من أولها ..
البحث منذ اللحظة الأولى لاكتشاف الفقد
رأيت فيما يرى النائم إني افتقدتك ..
وقتها .. لم أكن قد رأيت ما يشبهك
ولم أكن قد سمعت بوجهٍ مماثل لوجهك ..
لكنى رأيتك فيما يرى النائم .

( 3 )

تسألين متى ؟
حدث الأمر منذ أزمان سحيقة ..
لم أكن قد خُلقت بعد ..
كانت الدنيا مشغولة بديناصور بائس يحلم
بتقاسم وجبة من العشب مع أول أرنب برى يصادفه ..
كانت بابل تحلم بحديقتها ..
وكانت مصر ترسم الأهرام خيالاً
على صفحة النيل الخالد ..
لم يكن معاوية بن أبى سفيان قد استباح لحم دولة الإسلام
بأنيابه الإمبراطورية القاطعة ..
ولم يكن الحسين قد رأى الغدر في كربلاء بعد .
لم أكن قد عرفت الأحلام ومراودتها ..
لم اكن قد رأيت حلماً واحداً ..
لكنى رأيتك فيما يرى النائم .

الثلاثاء، 24 فبراير، 2009

أول الغيث



وبعد .. عودنا مزاج الجبل على أن المطر فرج سيقبل .. وأن المطر حياة ستنبعث .. وأن المطر زمن قادم علينا أن نتأهب له ..

وهذا بعض من مطر الكلام .. يهطل هنا بالمزيد من الرؤى والنبؤات .. أهديه لكل من يعرف جيداً معنى أن يمتلئ جوف الغيم بماء السماء .